تم تحديد الفترة الممتدة من 16 وحتى 24 أبريل كأسبوع التوعية بمرض ، على أمل أن تسفر هذه الفترة الصغيرة الممتدة لسبعة أيام عن توعية المزيد من الأشخاص حول ظروف التي تقاسيها أقلية صغرى من البشر، المرض الذي يختبره معظم الأشخاص الآخرين عن بعد فقط، ويخلطون بينه وبين المشاعر الأكثر ألفة، كالتعاسة أو البؤس.

يتشاطر المجتمع الطبي التصوّر العامي أيضًا إلى حد ما، حيث لم يتوصل الأطباء إلى رأي دقيق حول ما إذا كان الاكتئاب “مرضًا” جسديًا متجذرًا في الكيمياء العصبية، أم عادة فكرية سلبية يمكن معالجتها من خلال التحدث أو العلاج السلوكي.

في واقع الأمر، لا أبدي أي قلق حول تمييز النموذج الأكثر دقة من هذين التخمينين، فأنا ذاتي لا زلت غير متأكدًا من الحقيقة، ولكن مهمتي تتمثل هنا في محاولة تفسير شيء ما زال عصيًا على الفهم بالتجربة، وذلك رغم آلاف الكتب والمقالات اللامنتهية حول موضوع الاكتئاب، ودافعي خلف ذلك يتمثل في أن عدم قدرة المراقب الخارجي على تصور المعنى الحقيقي للاكتئاب الحاد، سيسفر عن منع حوالي 97.5% ممن لا يعانون من الاكتئاب عن التعاطف أو التصدي لهذه الحالة، أو حتى حملها على محمل الجد.

من الخارج، قد يبدو الاكتئاب كتمارض أو مزاج سيء وسلوك قبيح، ومن منا قادر على التعاطف مع هذه الصفات غير المحببة؟ ولكن الاكتئاب على أرض الواقع أكثر تعقيدًا للغاية، إنه أكثر دقة وظلامية من التعاسة، أشبه بانفجار داخل النفس؛ ففي حالات الاكتئاب الخطيرة، يعيش الإنسان كنصف شبح، ولإعطائكم فكرة عن مدى ظلامية الوضع، أستطيع أن أقول بأن صدمتي بفقداني لوالدتي عندما كنت في سن الـ31 جرّاء حادثة انتحارها المفجعة، كانت أضعف للغاية مما عانيته خلال السنوات التي سبقت وفاتها، عندما كنت أعاني من الاكتئاب النفسي، الذي تعافيت منه قبل وفاتها.

ولكن كيف يمكننا أن نميّز هذه اللعنة المضللة عن الحزن الاعتيادي؟ في البداية، يمكن أن ينتج الاكتئاب أعراضًا مشابهة لمرض الزهايمر، نسيان وارتباك وضياع، وحينها يضحي اتخاذ حتى أصغر القرارات عملية مؤلمة، كما لا تقتصر تلك الحالة في تأثيرها على العقل فحسب، وإنما تمتد لتطال الجسم؛ فالبنسبة لي باشرت بالتعثر عندما أمشي، كما لم أعد قادرًا على السير في خط مستقيم، أصبحت أكثر غباءًا وخرقًا، وأكثر عرضة للحوادث.

عندما تصاب بالاكتئاب ستصبح، داخل رأسك، رسمًا ثنائي الأبعاد، بدلًا من كونك إنسانًا تأكل وتعيش وتتنفس، وحينها لن تستطيع استحضار شخصيتك الحقيقية، والتي يمكنك أن تتذكرها بشكل مشوش وغامض فقط، بالمعنى النظري، كما ستعيش حالة، أو شبه حالة، من الخوف الدائم، على الرغم من أنك لن تكون متأكدًا من الأمور التي تخافها وتخشاها، ويمكننا هنا اعتماد الوصف الذي يطلقه الكاتب ويليام ستايرون على ذلك بقوله: “حالة من العصف الذهني”، والتي تعد أكثر دقة من وصف “التعاسة”.

ستشعر بإحساس ثقيل كالرصاص يجثم على صدرك، كما لو كنت قد فقدت شخصًا تحبه للغاية في يد الموت، ولكن في الحقيقة، لن تكون قد فقدت أحدًا، باستثناء نفسك ربما فقط، حيث ستشعر بأن وحيد تمامًا.

من الشائع أن يتم وصف حالة الاكتئاب الشديد بأنها تشبه رؤية العالم من خلال لوحة من الزجاج، ولكن الوصف الأكثر دقة هو القول بأنك تشاهد العالم من خلال لوح سميك وشبه كتيم من الجليد.

من هذا المنطلق، فإن شخصيتك، أي “أناك” الاعتيادية، ستكون قد تغيّرت تمامًا، ولكن الفظيع بأنه وعلى الرغم من وصولك إلى شبه قيامة داخل نفسك، إلا أن هذا التحول بالكاد سيكون ملموسًا بالنسبة للمراقب الخارجي، باستثناء ملاحظته ربما لبعض تصرفاتك الجافية، أو زيادة غضبك وتهيجك.

من الخارج، سيكون كل شيء مألوفًا، فأنت داخل ذات جلدك وبشرتك، ولن تتغير نوافذ عيونك، ولكن في الداخل، تضطرم عاصفة من الظلام، وفي بعض الأحيان ستُشبع برغبة عارمة للوقوف في منتصف الشارع لتصرخ بأعلى صوتك، لا لأي سبب معين، وكما يصف الكاتب أندرو سولومون تلك الحالة: “إنها كرغبة ملحة بالتقيؤ ولكن بدون وجود فم”.

المشاعر السلبية الأخرى، الشفقة على النفس، الشعور بالذنب، اللامبالاة، التشاؤم، والنرجسية، تجعل من هذا المرض منفّرًا للغاية لمن حولك، حيث يتطلب التعامل مع تلك المشاعر مستويات غير عادية من التفاهم والتسامح من العائلة والأصدقاء؛ إذن، رغم جميع أهوال هذا المرض، إلا أنه للأسف لا يستجلب التعاطف بشكل طبيعي.

بصرف النظر عن الخلط ما بين الشخص المكتئب وبين الشخص البائس الكاره للحياة والعاشق لهدم اللذّات، فعلى المرء أيضًا أن يواجه حقيقة بأن المكتئب قد يتحول ليصبح شخصًا أقرب للجنون، مما يجعله غير موثوق ليكون أبًا أو أمًا أو شريكًا أو موظفًا يمكن التعويل عليه، ومن هذا المنطلق، يُضاف العار إلى قائمة العذاب التي يستجلبها هذا المرض.

ثمة مفارقة هنا، فأنت ترغب بأن يعرف الجميع عن مرضك، ولكنك بذات الوقت تريد أن تنكره جرّاء السمعة السيئة التي يتمتع بها؛ فعندما أشعر بأنني على ما يرام، وهو في معظم الوقت، أنا أكون، وفق ما أظن، شخصًا مزوحًا، حنونًا، فضوليًا، متكيفًا، منفتحًا، وودودًا.

العديد من الفنانين والمبدعين يعانون من الاكتئاب، ولكن في الحقيقة، المجموعة الوحيدة من الفنانين الذين يعانون حقًا وبشكل غير متكافئ من هذا المرض، هم الكتّاب.

هناك أشياء إيجابية قد يجلبها الاكتئاب، حيث ساعدني ذاك المرض على اكتساب مهنتي، فلولا معاناتي من الاكتئاب لم أكن لأستطيع الخوض في غمار حياتي بشكل وثيق بما فيه الكفاية لأصبح كاتبًا، كما أنه وقبل كل شيء، الاكتئاب، وفي جميع الحالات تقريبًا، سيشفى عاجلًا أم آجلًا، لتصبح بعدها شخصًا “طبيعيًا” مرة أخرى، ربما ليس للمشاهد الخارجي، ولكن أمام نفسك بالضرورة.

بشكل عام، وبغض النظر عن جوانبه الإيجابية الطفيفة، يبقى الاكتئاب مرعبًا، حقيقيًا، ويستحق التعاطف والمساعدة، ولكن مع ذلك، وفي العالم الذي نعيش فيه، تبدو الأقوال أسهل من الأفعال؛ فنحن لا نفهم الاكتئاب جزئيًا لأنه يصعب علينا تصوره، ولكن أيضًا، لأننا ربما لا نريد أن نفهمه؛ حيث تساورني الشكوك بأن المجتمع، وفي صميم وجدانه، يحتقر مريض الاكتئاب لأنه يعلم وجاهة منظوره: الاعتراف بأن الحياة محدودة وحزينة ومخيفة، تمامًا كما هي مرحة ومثيرة ومعقدة ومرضية، ومن هذا المنطلق، يتمتع معظم الأشخاص بشعور على المستوى الأساسي يتمثل بموافقتهم على مضمون الحياة، ومريض بالاكتئاب يعاني من انسحاب هذا الشعور بالرضا، وهذا الأمر ليس مخيفًا على نطاق التجربة فحسب، وإنما على نطاق المعاينة والمشاهدة أيضًا.

باعتراف الجميع، يتصل الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب الشديد بخيط رفيع فقط مع الواقع، ولكن أظهرت الدراسات المتكررة بأن مرضى الاكتئاب الخفيف إلى المعتدل يتمتعون بارتباط أكثر واقعية مع الحياة من معظم الناس “الطبيعيين”، وهي ظاهرة تعرف باسم “واقعية الاكتئاب”؛ فكما يقول نيل بورتون، مؤلف كتاب معنى الجنون، “إنه الشك الصحي بأن الحياة الحديثة لا تتمتع بمعنى، وبأن المجتمع الحديث هو سخيف ومُستقطب”، وضمن ثقافة مجتمعية تركز على العمل، وتُحرّكها بالأهداف، تبدو هذه النظرات خطيرة للغاية.

قد تتمتع وجهة النظر هذه بتأثير يشلّ مريض بالاكتئاب، وأحيانًا قد تصل إلى حد ذهاني، ولكن وجهات النظر المذكورة قد تطارد الجميع؛ وبالتالي فإن الجزء الأكبر من السكان الذين لا يعانون من الاكتئاب قد لا يفهمونه ليس لأنهم يفتقرون إلى الخيال بشكل غير مفهوم، وليس لأنهم يفشلون في الوثوق بتجربة المتألّم بشكل لا يغتفر، بل لأنه وعندما يجدّ الجد، هم أنفسهم لا يرغبون بأن يفهموا هذا المرض، لأن تلك التجربة “كئيبة” حقًا.

المصدر: الجارديان

تيم لوت

صحفي وكاتب، كتابه الأخير هو “تحت ذات النجوم”.

ترجمة وتحرير نون بوست

أعجبنى (0)لم يعجبنى(0)